ابن قيم الجوزية

260

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فالتوفيق عندهم : أمر مشترك بين الكفار والمؤمنين ، إذ الإقدار والتمكين والدلالة والبيان قد عم به الفريقين . ولم يفرد المؤمنين عندهم بتوفيق وقع به الإيمان منهم . والكفار بخذلان امتنع به الإيمان منهم . ولو فعل ذلك لكان عندهم محاباة وظلما . والتزموا لهذا الأصل لوازم قامت بها عليهم سوق الشناعة بين العقلاء . ولم يجدوا بدّا من التزامها . فظهر فساد مذهبهم ، وتناقض قولهم ، لمن أحاط به علما . وتصوره حق تصوره . وعلم أنه من أبطل مذهب في العالم وأردأه . وهدى اللّه الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . فلم يرضوا بطريق هؤلاء ، ولا بطريق هؤلاء . وشهدوا انحراف الطريقين عن الصراط المستقيم . فأثبتوا القضاء والقدر ، وعموم مشيئة اللّه للكائنات . وأثبتوا الأسباب والحكم . والغايات والمصالح . ونزهوا اللّه عزّ وجلّ أن يكون في ملكه ما لا يشاء ، أو أن يقدر خلقه على ما لا يدخل تحت قدرته ولا مشيئته ، أو أن يكون شيء من أفعالهم واقعا بغير اختياره وبدون مشيئته . ومن قال ذلك فلم يعرف ربه ، ولم يثبت له كمال الربوبية . ونزهوه - مع ذلك - عن العبث وفعل القبيح ، وأن يخلق شيئا سدى ، وأن تخلو أفعاله عن حكم بالغة ، لأجلها أوجدها ، وأسباب بها سببها ، وغايات جعلت طرقا ووسائل إليها . وأن له في كل ما خلقه وقضاه حكمة بالغة . وتلك الحكمة صفة له قائمة به . ليست مخلوقة كما تقول القدرية النفاة للقدر والحكمة في الحقيقة . فأهل الصراط المستقيم : بريئون من الطائفتين ، إلا من حق تتضمنه مقالاتهم . فإنهم يوافقونهم عليه . ويجمعون حق كل منهما إلى حق الأخرى . ولا يبطلون ما معهم من الحق لما قالوه من الباطل . فهم شهداء اللّه على الطوائف ، وأمناؤه عليهم ، حكام بينهم ، حاكمون عليهم . ولا يحكم عليهم أحد منهم . يكشفون أحوال الطوائف ، ولا يكشفهم إلا من كشف له عن معرفة ما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم وعرف الفرق بينه وبين غيره . ولم يلتبس عليه . وهؤلاء أفراد العالم ونخبته وخلاصته ، ليسوا من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ، ولا من الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبرا ، بل ممن هم على بينة من ربه وبصيرة في إيمانه ، ومعرفة بما عند الناس . واللّه الموفق . المشهد الثامن : مشهد الأسماء والصفات : وهو من أجل المشاهد . وهو أعلى مما قبله وأوسع . والمطلع على هذا المشهد : معرفة تعلق الوجود خلقا وأمرا بالأسماء الحسنى ، والصفات العلى ، وارتباطه بها . وإن كان العالم - بما فيه - من بعض آثارها ومقتضياتها . وهذا من أجل المعارف وأشرفها ، وكل اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة . فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال . وكل صفة لها مقتض وفعل : إما لازم . وإما متعد . ولذلك الفعل تعلق بمفعول هو من لوازمه . وهذا في خلقه وأمره ، وثوابه وعقابه . كل ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجباتها . ومن المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها ، وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه